P B B Y

قصصهم شهادتي

الاثنين 10 شباط (فبراير) 2014 ::::: admin

هذه شهادة روز شوملي خلال إجتباح وحصار رام الله عام 2002 وعن العمل مع الأطفال نشر في مجلة شعراء التي أصدرت عدداً خاصاً عن الموضوع

تقول روز: "لم أر نفسي ولا الأطفال كضحايا للحصار، بل قادرين ليس فقط على الصمود، بل على الابداع. كانت فترة أربعين يوماً مليئة بالحب والقراءة، والابداع. قاومنا حصارنا من خلال كتابة القصص. وقصصهم هي شهادتي على الحصار".

قصصهم شهادتي: آذار-ايار 2002

الطريق الالتفافية تقسم الوادي المقابل نصفين. مثل جسم غريب وحشي تتمدد أسفل البيت. تغتصب المنظر الطبيعي في العمق. تحتضن السيارات العسكرية الإسرائيلية وهي تختصر المسافة من المعسكر المقابل على رأس الجبل في عين قينيا إلى بيت إيل. كم من الدونمات صودرت من المزارعين الفلسطينيين كي تعبر هذه الطريق. كم عائلة فقدت مصدر رزقها كي تمر. الطريق الإلتفافية التفاف على الأرض، على القانون، وعلى الإنسان. تقتلع الفلسطيني من أرضه باقتلاع الأرض منه. هل ينسى؟

نراقب الطريق الالتفافية وننتظر. هل ستعبر الدبابات مثلما فعلت في الاجتياحين الأول والثاني. ننتظر... هدوء ما قبل العاصفة. هل سيعبرون مثلما عبروا. تعود الصورة حية من جديد. يأتي صدى صدى الحديد وهو ينهش جسد الأرض. صوت احتكاك الجنزير لا يزال في أذني. لم يتركوا لنا مجالاً كي ننسى. الاجتياح الأول لا يزال أخضر في الذاكرة. صوت وصورة. يريدون لنا أن ننسى ويذكِّروننا كل يوم. منذ القصف الأول لرام الله تعود الذاكرة إلى الوراء. كنا نسينا. أو هكذا ظننا. نستيقظ في الليل على صراخ ابنتي المذعور. القذيفة العنكبوت، الأرجوانية اللون تقتحم النافذة. كل ليلة تصرخ ريم. نقرأ فزعها المحموم. تقفز من السرير وهي تغط في النوم، تبحث عن العنكبوت الذي اقتحم الغرفة من النافذة.

ننتظر. كيف لهذا اليوم أن يمر. الخميس، 28 آذار. توتر يجتاح رام الله. لكن الطريق هادئة. غريب هذا الهدوء. الانتظار أمرّ من الحدث. هل غيروا رأيهم؟ أم أن الإستراتيجية تغيرت. تتصاعد وتيرة التوتر عند المساء. تهافتٌ على المشتريات. عبير لن تعود الليلة إلى البيت. ستلتحق بالهلال الأحمر تحسباً من اجتياح جديد.

نتظاهر بالنوم. ولكننا آذان تنتظر. الصوت بعيد، لكنه يصل. فحيح الدبابات يخترق هدوء الليل. الحدقة تضيق، والموت يستفيق في الذاكرة نابضاً حياً كأنه بالأمس. قلبي يدق صارخاً، وأذناي تلتقطان جهة الصوت. الدبابات تحاصر من نحب. ما أصعب الشعور بالعجز. أذكر تماماً عندما افترسني هذا الشعور أول مرة. كنا في مهب الطائرات ولا شيء يستر أعيننا كي لا نرى - الطائرات تحدق، والموت يسقط عباباً. في داخلي، شيء هوى، لكنني لم أشأ الصراخ. الصوت يصبح أكثر وضوحاً. إنه مبنى المقاطعة.

من سينام الليلة! الكل ينتظر. الجيران يطفئون الأنوار وينتظرون. عبير لا تزال مستيقظة. مناوبتها تبدأ مع منتصف الليل. لا بد أنها تسمع الصوت بوضوح أكبر. يأتي صوتها هادئاً على الجوال. الشعور بالعجز يأسر من هم خارج الفعل، والذين يقبعون وحدهم في الظلام. ريم تجاوزت خوفها المسكون بالقذيفة العنكبوت عندما أصبحتْ جزءاً من هذا المد الذي ينتظم في مواجهة رمز القهر والظلم. أطفال مخيم قلندية يمتشقون الحجارة ويصوبونها نحو مصدر قهرهم. كنت أراهم كل يوم أثناء عودتي من عملي في بيت حنينا وأتساءل، هل هم أيضاً يتحررون من الخوف عندما يواجهون الخوف جماعة، فلا يلاحقهم الخوف فرادى في المنام؟

أكسر أنا أيضاً شرنقة العجز. فرح الأطفال، قوس قزح، أحلق معهم فوق طائرات الأف 16 والأباتشي، فوق الدبابات والمجنررات، بعيداً عن كل خوف، بعيداً عن عجزي أنا. سأنقذ نفسي من الغرق. وسأحملهم معي إلى شاطئ الأمان. كل واحد في قارب من صنعه - قصة مبنية من واقع وخيال.

هم أيضاً لهم خوفهم ومخاوفهم. الغرفة الصغيرة تصبح ملاذهم. فيها ينسون الحصار، ويتحررون من أصوات الدبابات والأباتشي. يتحدثون فيجدون من يستمع، يسألون ويتساءلون، يبحرون عبر عالم القصص، يلعبونها، يسمعونها، يناقشونها، يقرأونها، يكتبونها كأفراد وكمجموعة، يرسمونها، ويقرأون لبعضهم ما يكتبون. روح الدعابة أصبحت تطعّم كتابتهم عن قصد ودون قصد.

تبدأ القصة من الأطفال. من واقعهم، من تجربتهم الشخصية، من مشكلاتهم اليومية ومعاناتهم في مواقف معينة، من أحاسيسهم تجاه هذه المواقف. كلٌّ يرصد أحداثاً تؤرقه. تتكشف الأحداث عن خيط يربطها. مع الأحداث تتضح الشخصيات. يصبح الطفل هو الراوي. ويبدأ برواية الحكاية. أسجل أنا الحكاية. أتدخل بالسؤال، تكبر الحكاية، وتترابط الأحداث. أسأل عن مشاعرهم في تلك اللحظات. فتنفخ الروح في الكلمات. التعبير عن المشاعر كان الأصعب. ولأنهم أبطال قصصهم، يريدون أن تأخذ القصص نهايتها السعيدة قبل أن تنضج. أحياناً، نترك القصة قبل خط النهاية كي تختمر. كنت أرى القلق في عيونهم أثناء خلق الحكاية. نهاية القصة تنهي هذا القلق، لأنها تحمل معها حل المشكلة التي طالما أرقتهم.

كل قصة ننجزها نقرأها للجميع، يضحكون معاً، يسألون عن معنى كلمة ما، يضيفون شيئاً للأحداث كي تصبح القصة مقنعة. أحياناً، تتطلب القصة أكثر من لقاء. أحياناً تأتي النهاية باهتة. نترك القصة يومين ثم نعيد قراءتها. نفكر في حلول مناسبة. تصبح القصة لعبة يشارك فيها الجميع.

في قصة رهف، لا شجار بعد اليوم، تركنا النهاية معلقة. قرأنا القصة. ووضعناها بين يدي الأطفال كي يفكروا بها. حلول مختلفة، ومناقشة الحلول. حتى جاءت النهاية التي أقفلت القصة. رهف، الطفلة ذات الأعوام السبعة، تخجل أن تُسمعك صوتها، وتتجنب أن تنظر في العينين حين تخاطبك. لا تستطيع المواجهة،خاصة حينما يتعلق الأمر بأولاد الحارة من الذكور. تكبت مشاعرها في العادة. لكن في هذه القصة، تصبح قائدة لشلة البنات، تعبّر عن غضبها، وعن إحساسها بالقهر. تتغلغل القصة في كيان رهف فلا يعود هناك فصل بين أحداث القصة ومجريات الواقع. ومع انتهاء القصة تجد رهف الحل لمشكلتها.

رهف تستعير قصة "هل أنت جبان يا برهان؟" كي تعطيها لنديم، الذي يضايقها باستمرار. أعطيها القصة دون تعليق. ولكني أدرك تماماً أن رهف تريد إيصال رسالة- ليس بالعنف وحده يحيى الإنسان. ويصبح الصراع الوحيد الذي يجوز فيه استخدام العنف هو الاحتلال.

رهف تبتلع الآن الكتب. تتحدث عن حقها في أن تعبّر عن رأيها وبحقها بالمساواة. رهف لها حضور بين الأطفال الآخرين. هي التي تنسق مواعيد لقاءاتنا. الآن تنظرك في العينين وتتكلم بصوت تحرص أن تسمعه.

أراقب التلفزيون، أرى سيارات الهلال الأحمر تحاول إنقاذ الجرحى في المقاطعة. يدق قلبي عالياً. الفتاة التي تتمنطق سترة الهلال الأحمر تسقط على الأرض. هل هي عبير؟ يدق قلبي أكثر. أتذكر بيروت عندما رأت النور أول مرة. عندما جاءت قبل وقتها بكثير وكدت أفقدها. عندها عرفت عمق الألم الذي ينتاب الأم التي تفقد فلذة كبدها. هل هذه هي؟ أفكار السوء دائماً سباقة. حتى لو لم تكن ابنتي فهناك أم ترى وتتألم بصمت. حتى لو لم تكن ابنتي، فهي في هذه اللحظة بالتحديد ابنتي. التوحد هو ما يجعل الألم حقيقيا وصارخاً.

أعود إلى قارب النجاة الذي صممته خصيصاً للحصار. رغد، أخت رهف الصغرى ذات الأعوام الأربعة، هي الأخرى تريد أن تكتب قصة. غير أنها لا تعرف الكتابة بعد. تحاول جاهدة أن تقنعني بأنها تقرأ. تمسك قصة وتبدأ بالقراءة. لكنها تقرأ من الذاكرة. تحفظ القصص التي تقرأها لها رهف. رغد تريد أن تكبر بسرعة كي تصبح مثل رهف. تغار من الذين تحبهم، ولذلك هي في مد وجزر مع رهف ومع أصدقائها الآخرين. تهرب معي من الحصار إلى الطبيعة متجاوزين منع التجول. ترافقنا بيسان، طفلة في مثل سنها تسكن في الحارة المجاورة. تنظر إليهما فتظن أنهما توأمان. رغد وبيسان تتمايلان مثل طيور النورس التي تحلق فوقهما. تلتحمان مع الصخور والأشجار كأنهما جزءاً منها. تقلدان بعضهما، وتحاول كل منهما أن تثبت نفسها. تأتي قصة نزهة لتعكس ما حدث في تلك النزهة - طفلتان في مرحلة الطفولة المبكرة، ينسجمان كثنائي في اللعب، ينطلقان في أول يوم يتحرران فيه من قيد الحصار. يحلق خيالهما حيث لا حدود للخيال، حيث هما مركز الكون.

عماد، ابن الثامنة، يهرب من الحصار إلى أيامه الحلوة في قلقيلية. بيت جده، المشهد الذي يسيطر على الذاكرة. جدته تجلس في الحديقة تحيك الصوف، وجده ما زال يعمل رغم كبر سنه. أستطيع أن أرى جده وهو يعمل في محله، وابنة خالته تقود الدراجة وهو يراقبها كي يتعلم قيادة الدراجة. عماد يحاول أن يتجنب الحديث عن تجربته الأولى في ركوب الدراجة، وعن تعثره قبل أن يتمكن من القيادة. أستطيع أن أرى التحول في شخصية عماد من خائف وحذر وخجل في الحديث عن لحظات الفشل إلى استخدام الدعابة للتعبير عن هذه العثرات. أصبح هو الكاتب، وهو الذي يتحكم في سلوك الشخصية. ولذلك تطول تجربة عماد الشاقة في ركوب الدراجة، تتخللها مفارقات مضحكة بطريقة تجعل القصة شيقة. ذلك التحول في شخصية عماد وفي قدرته على الخلق اللغوي، واللعب بالكلمات، يعكس نفسه على أدائه في اللغة العربية. بعد أسبوع واحد فقط من رفع الحصار والتئام المدارس، ترى المعلمة هذا التغير بوضوح. عماد يخشى أن يبتر حلمه وأن لا يتمكن من العودة إلى بيت جده. لذلك ينهي قصته بيت جدي بأمنية أن يتغير الوضع، وأن ينسحب الإسرائيليون كي يزور بيت جدّه في العطلة الصيفية القادمة، ومعه دراجته الجديدة.

معه حق عماد في خشيته وفي صلاته. لا أحد يضمن الغد. التخطيط للغد أصبح ترفاً. أنا لم أعد إلى بيتي في بيت ساحور منذ عيد الميلاد. عدة محاولات على حاجز قلندية باءت بالفشل. بعدها جاء الاجتياح الأول والثاني، ثم الثالث. ومع كل اجتياح منع تجول. الوصول إلى قلندية أصبح أمراً مستحيلاً. كم يضيّقون الوطن!

منع التجول يعطي أهمية للهاتف والإنترنت. الناس تبتكر أساليب جديدة للاتصال. فكرة المسيرة باتجاه المقاطعة تتردد عبر الهاتف. الكل ينتظر دخول أعضاء الكنيست العرب عبر الحاجز. الجنود الإسرائيليون يقابلونهم بقنابل الغاز. لم تشفع لهم عضويتهم في الكنيست. أعضاء حملة الحماية الدولية الشعبية يدخلون المقاطعة. يكسرون الحصار والعزلة. لسنا وحدنا! أتذكر عيد الميلاد الأخير. يومها شارك مئاتٌ من محبي السلام اليهود، ومئات من أعضاء الحماية الشعبية الدولية أهالي منطقة بيت لحم في مسيرة الشموع السنوية. حملوا الشموع معنا في الطريق إلى مدينة بيت لحم - أفراتا الصغيرة، لنطلق صرخة احتجاج على ممارسات الإحتلال القمعية أمام الحاجز الإسرائيلى، رمز القهر والاحتلال. شعور غير عادي بالقوة يمنحه وجود الأصدقاء. أعضاء الحماية الشعبية الدولية جعلوا من أجسادهم دروعاً بشرية لحمايتنا. وعندما تبين أن الإسرائيليين سيستخدمون قنابل الغاز ضدنا، طلبوا من الذين لا يتحملون استنشاق الغاز أن يرجعوا إلى الوراء، وبقوا هم أمامنا وحولنا. نحن أقوياء بهم. جميل أن يشعر الإنسان أنه جزء من هذا العالم. الجانب المشرق من العولمة يتجسد في وحدة الشعوب. دربان لم تكن بعيدة. جسدي يتجمد من البرد، دفء في داخلي وأمل. لست وحدك.

أطفال الحارة يسألون عن عبير. كلهم يريدون أن يكونوا مثلها. رهف تسأل متى ستحضر عبير. من يدري؟! ربما إذا رفع منع التجول. رغد تلبس نظارة عبير, تريد أن تأخذها – هل هي النظارة أم دلالتها. داوود يسأل كيف يمكن أن يلتحق بالهلال الأحمر. لا تستعجل يا داوود - الطريق طويلة.

داوود لم يتجاوز التاسعة من العمر، لكنه يبدو في الثانية عشر. يذكرني بريم عندما كانت في مثل عمره. لا يُعامَل داوود أبداً حسب عمره بل حسب شكله. لذلك يحمل داوود مسؤوليات تفوق عمره. ويتحدث أحياناً كرجل صغير. داوود يخجل أن يُمسَك في لحظة خوف. تماماً مثلما كانت ريم. تقمّصِ الخوف أحلامها ليطلقها كوابيس بعد أن تمزق قناع الذاكرة. الخوف يطيل الحصار، والعجز يحكِمه. داوود يتحدث بلغة الكبار كأنه لم يعد طفلاً. تماماً كما هو متوقع منه. هو الأكبر في البيت وهو ساعد أبيه الأيمن. لكنه يبكي وحده في الليل. ومخاوف داوود كثيرة. يخاف أن تلد أمه على الحاجز، فيفقدها. يخاف أن يُعتقل أبوه مرة أخرى. يخاف أن يحمل الأشياء لأنه قد يكسرها. قال لي أبوه مازحاً، "لكثرة ما كسر من أشياء سميناه "الكسّار"." والأهم من ذلك خوف داوود من الذهاب إلى المدرسة كونها قريبة من المقاطعة مما يجعلها هدفاً ممكناً للقصف.

داوود لم يكن قادراً على لملمة نفسه. لا يستطيع أن يركز على شيء محدد. الألعاب التي يحبها عادة من هم في مثل سنه لا تستهويه. والألعاب التي تناسب حجمه لا يستطيع أن يضبط إيقاعه معها. داوود لا يحب القراءة. ويكره أي نشاط يتطلب منه أي جهد ذهني. دائماً مشتت الأفكار...في أول لقاء حضره داوود، كان وجلاً. أرسلتْه أمه مع كتاب اللغة الإنكليزية التي شكلت أزمة له. تصفحتُ الكتاب. فهمت لماذا لا يحب داوود اللغة. وضعت الكتاب جانباً، ولعبنا لعبة اللغة. تحولت اللغة إلى سلسلة من الألعاب، والرقص والأغنيات. أخذ داوود مكاني وقام بنفس الدور. قلت: نلتقي غداً في العاشرة. قال داوود: في الثامنة. وصلنا إلى حل وسط، في التاسعة.

داوود يسال كثيراً، ولا يتوقف عن الأسئلة. والداه يفقدان صبرهما من الأسئلة التي لا تنتهي. أعطيتهما قصة "لماذا" التي تروي قصة طفلة تسأل لماذا باستمرار ودون توقف حتى أوصلت أباها إلى مرحلة فقد القدرة على التحمل. لكنها استطاعت، من خلال سؤالها العنيد، أن تنقذ منطقتها من العدو الخارجي. في اللقاء الثاني مع داوود، قرأنا قصة لماذا. فرح داوود لأنه شعر انه ليس الوحيد في هذا العالم الذي يحب أن يسأل لماذا. تحدثَتْ رهف عن الكتب التي استعارتها، أخذ داوود نفس الكتب. أيضاً أخذ أخوه جمال كتابين للقراءة. توالت الكتب، وتعددت اللقاءات وأصبح اللقاء يطول. لا أحد يمل. أحياناً حتى العاشرة ليلاً. آخر كتاب قرأه داوود كان كتاب "مياو يا ولدي" للمؤلفة السويدية أستريد ليندغرين. بعد أن قرأ داوود الفصل الأول، أبدى إعجابه بالكتاب. حدثته عن الكاتبة التي توفيت حديثاً. أخبرته كم يحبها الأطفال في السويد، وفي أوروبا. حدثته عن حديقة القصص التي زرتها في السويد حيث تَعرض بالصوت والصورة بعضاً من مشاهد قصص المؤلفة. تشجع داوود، يريد أن يكتب قصة مثل رهف. لذا، كان عليه أن يأتي في اليوم التالي حاملاً معه أحداثاً أقلقته، ومشاعره حيالها.

كان داوود في الباب قبل الجميع. تماماً في التاسعة. قال أريد أن أكتب عن الحصار. بدأنا بتسجيل بعض الأحداث التي ارتبطت في ذاكرته عن الحصار- ِمنع التجول، الانقطاع عن المدرسة، مرافقة أبيه إلى السوق أثناء رفع منع التجول، اللعب في الحارة. الخوف! في القصة يُقِرّ داوود دون خجل أنه شعر بالخوف عندما رأى الدبابات. ويتحدث عن مشاهداته عند رفع منع التجول. اقترحت أن أسمي القصة مفردات جديدة، لكن داوود قرر أن يسميها "صمود"، وهكذا كان.

جمال، أخو داوود، يصغره فعلياً بسنة، لكنه يبدو أصغر منه بأربع سنين على الأقل. تشعر أنّ في داخله غضب وشعور بالهوان. يتعرض الأولاد الكبار له، يهينوه، ويفرضون سيطرتهم عليه. جمال قليل الكلام، كأن داوود، كونه الأخ الأكبر، اختطف منه كل الكلام، ولم يترك له مجالاً يعبر فيه عن رأيه. جمال التحم مع الكتاب، وكأن فيه خلاصه. قرأ جمال قصة "أخي الكبير". قرأها أكثر من مرة. لم يعد وحيداً بالمشكلة. قرأ أيضاً "هل أنت جبان يا برهان؟" فأكسبته قوة. قرأ عشرين قصة في أقل من أسبوع، فاستحق بذلك كتابين جديدين هدية. جاءت قصته سباق الدراجات لتحل مشكلته، وليعيد لنفسه الاعتبار. فبعد أن كان يعاني من اضطهاد أولاد الحارة الكبار، يصبح في القصة منقذاً، ويحقق للأطفال الآخرين الانتصار على الذين يعاملونهم بقسوة.

كان جمال أكثرهم توتراً قبل البدء في كتابة القصة وخلالها. بدا وهو يروي قصته خائفاً متردداً، كأنه يخشى أن يواجه الأولاد الكبار في سياق القصة. تركنا القصة بضعة أيام. كان جمال بحاجة لهذا الوقت كي يلملم نفسه. كان حائراً في كيفية الوصول إلى حل. قرأنا القصة لجميع الأطفال. وكالعادة، حين تتعقد الأمور، تأتي الاقتراحات ببدائل. وهكذا، يصل جمال إلى نهاية تسمح له بالانتصار دون أن يلجأ إلى طرق ملتوية. لذلك يساعد جمال خصمه حين يقع عن الدراجة، رغم أن خصمه كان يحاول أن يوقع به. هكذا تنتهي القصة بفوز جمال، دون أن يفقد جانبه الإنساني. كتابة القصة أخرجت التوتر إلى السطح. ومع النهاية، يستعيد جمال احترام الجميع ، يصبح أكثر ثقة بنفسه وأكثر اعتزازاً. وإذ يتجاوز جمال خجله، ينطلق في التعبير عن مشاعره. تلاحظ أمه أنه صار أكثر طلاقة، وأكثر سهولة في التعبير عن نفسه. تَعلَّقَ جمال بالغرفة الصغيرة. فيها كل ما يريد من كتب. ولا يترك جمال الغرفة إلا ومعه بضعة كتب. جمال لا يكتفي بالكتب التي تخاطب عمره، بل ينافس أخاه داوود على الكتب التي يقرأها.

ينتهي الحصار جزئياً عن مدينة رام الله. تلتئم المدارس، ما عدا مدرسة داوود وجمال، لكونها قريبة من المقاطعة التي ما زالت محاصرة. ومع رفع الحصار، تعود عبير إلى البيت، حول عينيها دوائر تشهد على حاجة ملحة للنوم. متعبة لكن سعيدة.

كانوا محاصرين داخل أنفسهم. أخرجتهم الحكاية من هذا الحصار، وأطلقت لخيالهم العنان. أعرف أنهم ينامون دون قلق، وأنهم يحلمون بالقصص التي بدأناها ولم ننته منها بعد. وأعرف أنني أعطيتهم ما لم أعطه لريم عندما كانت في مثل عمرهم تحت الحصار. هذا العنكبوت الذي ظل نائماً عشرين عاماً، وأستيقظ على أصوات القصف، كان جرس إنذار بأن الطفولة هي البئر الأولى التي يستقي منها البالغ أحلامه. كانوا تحت الحصار، فحملتهم ورشة الحكايات إلى بر الأمان. .


| | خريطة الموقع | الزوار : 79 / 122352

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع موارد   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC